أبي طالب المكي
274
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
نفسه فقال : اجعلوا لي ماء في الخلاء أتنظف . قال : ثم صعد على موضع في القصر فرمى بنفسه فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ملك الهوى : الزم عبدي قال : فلزمه حتى وضعه بالأرض على قدميه رويدا . فقيل لإبليس : ألا أغويته ؟ فقال : ليس لي سلطان على من خالف هواه وبذل نفسه لله تعالى . وفي حديث معاذ بن جبل أنّ العبد يوم القيامة ليسأل عن كل شيء حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه . وروينا في خبر مقطوع من تطيّب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ، ومن تطيّب لغير الله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة . وليس الطيب من أكبر المأمور به ولا من الإثم المنهي عنه ، وإنما لصاحبه منه نيته . فإن كان نيته اتباع سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار النعمة لله تعالى ، كان بذلك مطيعا وكان له ثواب ما نواه ، وإن تطيّب لغير ذلك كان به عاصيا لاتباعه هواه . وعن بعض السلف الصالح قال : كتبت كتابا وأردت أنّ أتربه في منزل جاري فتحرجت من ذلك ثم قلت : تراب وما تراب ؟ فتربته فهتف بي هاتف سيعلم من استخف بتراب ما يلقى غدا من سوء الحساب ، وقال بعض العلماء : إني لأستحبّ أن يكون لي في لك شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي . وحدثت أنّ رجلا صلَّى مع سفيان صلاة العيد وكان قد خرج معه بغلس . فلمّا أصبح نظر وإذ إزار سفيان مقلوب فقال له : يا أبا محمد قد لبست ثوبك مقلوبا فأصلحه قال : فمد سفيان يده ليسوّي إزاره ثم قبضها فلم يسوّه فقاله الرجل : ما منعك أن تسوّيه عليك ؟ قال : إني لبسته لله عزّ وجلّ فلا أريد أن أسويه لغير ذلك ونادى رجل امرأته وكان فوق سطح يسرّح شعره فقال : هاتي المدري ليفرق به شعره فقالت امرأته : وأجيء بالمرآة فسكت هنيئة ثم قال : نعم . فقال له من سمعه لأي شيء سكتّ عن المرآة ؟ فقال له : إني قلت لها : هاتي المدري بينة . فلما قالت والمرآة ؟ فلم يكن لي في لمرآة نية ، فتوفقت حتى هيأ الله لي نية فقلت نعم جيء بها . وحدثونا عن بعض أصحاب بشر أن فتحا الموصلي دخل عليه فقام له بشر ، قال : وما رأيته قام لغيره ، فقمت فأجلسني . فلما انصرف قلت له : قمت أنت إليه فلما قمت أنا أجلستني . فقال : أنا قمت إليه لأجل الله تعالى وأنت قمت لأجلي فأجلستك . وحدثونا أنّ بعض الفقراء كان يصحب أبا سعيد الخراز فكان يخف بين يديه في حوائجه ، ويخدم الفقراء ، ويسارع في قضاء حوائج أبي سعيد وأصحابه . قال : فتكلم أبو سعيد يوما في إخلاص الحركة فوقر ذلك في قلب الشاب فكأنه أخذ الإخلاص التفقد لحركته وخدمته فترك ما كان يعمله من قضاء حوائج أبي سعيد في الخفة بين يدي إخوانه حتى أضرّ ذلك